ابن عطية الأندلسي
362
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال ، لكن يكون المعنى كأنه قال : أنفقوا مما كسبتم ، فهو حض على الإنفاق فقط . ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول : أطعمت فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء ، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل ، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد اللّه بن مغفل قال : ليس في مال المؤمن خبيث ، و كَسَبْتُمْ معناه كانت لكم فيه سعاية ، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة ، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه ، إذ الضمير في كَسَبْتُمْ إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين ، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك ، و تَيَمَّمُوا معناه تعمدوا وتقصدوا ، يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده ، ومنه قول امرئ القيس : [ الطويل ] تيمّمت العين التي عند ضارج * يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام ومنه قول الأعشى : [ المتقارب ] تيمّمت قيسا وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن ومنه التيم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء ، وهكذا قرأ جمهور الناس وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعا أولها هذا الحرف ، وحكى الطبري أن في قراءة عبد اللّه بن مسعود « ولا تؤموا الخبيث » من أممت إذا قصدت ، ومنه إمام البناء ، والمعنى في القراءتين واحد ، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب « ولا تيمّموا » بضم التاء وكسر الميم ، وهذا على لغة من قال : يممت الشيء بمعنى قصدته ، وفي اللفظ لغات ، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته ، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ « ولا تؤمموا » بهمزة بعد التاء ، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم ، وقد مضى القول في معنى الْخَبِيثَ وقال الجرجاني في كتاب نظم القرآن : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله : الْخَبِيثَ ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال : تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع ، والضمير في مِنْهُ عائد على الْخَبِيثَ . قال الجرجاني وقال فريق آخر : بل الكلام متصل إلى قوله فِيهِ . قال القاضي أبو محمد : فالضمير في مِنْهُ عائد على ما كَسَبْتُمْ ، ويجيء تُنْفِقُونَ كأنه في موضع نصب على الحال ، وهو كقولك : إنما أخرج أجاهد في سبيل اللّه ، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فقال البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم : معناه ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك ، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه ، أي فلا تفعلوا مع اللّه ما لا ترضونه لأنفسكم ، وقال الحسن بن أبي الحسن معنى الآية : لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع ، إلا أن يهضم لكم من ثمنه ، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة وقال البراء بن